الارشيف / وكالات / طقس فلسطين

مصر24 - أسرار الخرائط والوثائق التي قادت الرحالة لاستكشاف عالمنا

  • 1/6
  • 2/6
  • 3/6
  • 4/6
  • 5/6
  • 6/6

 أصبح من المعتاد أن نطالع هواتفنا لنسترشد بتطبيقات تدلنا على الطريق بين نقطة وأخرى، حتى غدا العالم بين راحة أيدينا يقاس بالميغابايت. ولكن هل تساءلت يوما كيف شق الإنسان طريقه وأسفاره قبل بضعة قرون فحسب، رغم افتقاره لخرائط دقيقة، وكيف اقترن معتقده وخوفه من المجهول بفجر جديد من العلم؟

أشارت ماتيا غازولا بيد مغطاة بقفاز خاص إلى خارطة للعالم خُطت قبل 570 عاما، قائلة: “إلى الشرق الجنة كما وردت بالكتاب المقدس وقد صورت كمدينة مسورة تعلوها الأبراج، وجنوبا صحراء قائظة لا يجتازها إنسان، وشمالا قفر آخر من البرد الزمهرير. وبالوسط أورشليم حيث قلب العالم”.

وتعود تلك الخارطة إلى عام 1448 وقد خطها الجغرافي البندقي جيوفاني لياردو على رق جلدي، وهي فضلا عن روعتها تثير الكثير من الأسئلة، إذ اعتمدت على تصور بطليموس للأرض باعتبارها مركز المجموعة الشمسية، وقارنتها بمعتقدات مسيحية ورموز وثنية ونظريات جغرافية عربية فضلا عن معادلات حسابية، لتصور القارات كما كان الأوروبيون يرونها آنئذ، يحفها محيط شاسع.

وحول العالم ست دوائر متداخلة نقشت عليها أرقام وأحرف دقيقة لحساب وقت عيد الفصح، فضلا عن شهور السنة ومراحل القمر.

وتعد تلك الخريطة واحدة من ثلاث خرائط معروفة خطها لياردو ووقعها، أقدمها يعود لعام 1442، وهي محفوظة بمكتبة فيرونا، وأحدثها يعود لعام 1452 بمكتبة الجمعية الأمريكية للجغرافيا، بينما تتصدر تلك الخارطة مكتبة برتوليانا ببلدة فيتشِنسا الإيطالية الواقعة بين البندقية وفيرونا في دير سابق، بين مقتنيات تضم آلاف الأسفار النادرة والمخطوطات التي لو اصطفت الواحدة تلو الأخرى لامتدت مسافة 19 كيلومترا.

خارطة جيوفاني لياردو 
خارطة جيوفاني لياردو اعتبرت الأرض مركز الكون بحسب تصور بطليموس

 

وعبر العصور تبرع بتلك الكتب والمخطوطات أثرياء ونبلاء البلدة التي اشتهرت بمعمارها التاريخي وامتهان صفوتها لتجارة الحلي والحرير، وبالولاء للبندقية التي كانت يوما سيدة البحار.

واليوم على ضوء خافت بأرشيف المكتبة يصطف أمامي بعض أثمن تلك الآثار وأروعها، من وثائق استرشد بها الرحالة والبحارة والعلماء بالقرنين الخامس عشر والسادس عشر بغية استكشاف العالم، بينما تحكي لي غازولا، أمينة الأرشيف، قصتها.

حقبة استكشاف العالم

ما بين اختراع آلة الطباعة عام 1440 وأوج عصر الاستكشاف أواخر القرن الخامس عشر، وأوائل السادس عشر، شهد العالم ثورة في فن رسم الخرائط ووصف الأرض استقت خبرات البحارة والتجار والمستكشفين والحجاج المسيحيين للأرض المقدسة، واعتمدت حسابات دقيقة مثلت سيلا من المعلومات اتسعت لها مدارك العالم.

ولم يمض قرن ونصف إلا وهُجرت خرائط لياردو وبدأ العالم يظهر بشكله المعروف لنا اليوم.

كان من العلامات الفارقة طباعة أول مجلد لخرائط بطليموس باللاتينية عام 1475 في فيتشنسا. وقد سبق وأن وصف كلاوديوس بطليموس، وهو عالم رياضيات وفلك وجغرافيا يوناني-روماني من القرن الثاني الميلادي، العالم المعروف للإمبراطورية الرومانية في حينه محددا كافة بقاعه بإحداثيات جغرافية.

ورسم بطليموس الأرض كقطاع مستو باتساع نحو 70 درجة، حيث تقع كاديز أقصى الغرب، والهند أو الصين أقصى الشرق.

مجلد بطليموس 
سهلت الخرائط التي احتواها مجلد بطليموس الرحلات الاستكشافية في القرن الخامس عشر

وكان الباحث البيزنطي ماكسيموس بلانوديس قد أعاد اكتشاف أعمال بطليموس في القرن الثالث عشر، ولقرون ظل بطليموس المرجع الأوحد للخرائط والجغرافيا. ورغم أن مخطوطات خرائط بطليموس الأصلية فقدت، أعاد بلانوديس رسمها على أساس كتاباته وإحداثياته.

وبعد ترجمة العمل المنسوب لبطليموس بعنوان “كتاب الجغرافيا” من اليونانية إلى اللاتينية عام 1406 وكتابته يدويا قبل الطباعة، ظهرت خرائط أخرى اعتمادا على كتاب بطليموس وما شمله من حسابات وإحداثيات، مما يسر الرحلات الاستكشافية في القرن الخامس عشر، وقاد لنهضة في علم رسم الخرائط.

ولم تشمل طبعة فيتشنسا لكتاب بطليموس خرائط، بل اقتصرت على نصه الأصلي وإحداثياته. وعرضت غازولا عليّ طبعة لاحقة نشرت في روما في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1490 تمثلت في مجلد ضخم يضم 31 خريطة مفصلة طُبعت ثم لونت يدويا بدرجات الأصفر والأحمر لليابسة والأزرق للبحار.

وكما كان الحال في بداية عهد الطباعة بدأ الكتاب بنص دون مقدمة حيث لم تحمل المطبوعات اسم مؤلفها واسم العمل وتاريخ نشره إلا بعد عام 1500، حسبما أطلعتني غازولا التي أضافت أن “الكتاب كما نعرفه الآن بدأ بالعالِم والناشر البندقي إنساني النزعة ألدوس مانوتيوس” الذي أدخل ثورة في عالم الطباعة”. وفي عصر هيمن فيه أهل البندقية على البحر الأدرياتيكي والبحر المتوسط، أسس مانوتيوس في البندقية دارا للنشر بعنوان “ألداين برس”، كانت أول من استقدم الخط المائل ويعزى لها الفضل في نشر أكثر من 130 كتابا باليونانية واللاتينية.

بداية لكتب الرحلات

يضم كتاب ياكوبوس تسيغلر 
يضم كتاب ياكوبوس تسيغلر وصفا يهتدي به الزائر للأماكن التي ورد ذكرها بالكتاب المقدس

وتصدرت العمل التالي الذي أطلعتني عليه غازولا مقدمة مفصلة وبديعة مطبوعة حملت اسما طويلا باللاتينية لكتاب “سرد البقاع الجغرافية لسوريا وفلسطين والعربية ومصر والشندية والهولمية والبقاع العليا”، من تأليف عالم اللاهوت البافاري ياكوبوس تسيغلر والذي طبع عام 1532 في ستراسبورغ، والذي يعد بداية لكتب الرحلات التي نألفها الآن.

يحتوي الكتاب على وصف مفصل للبقاع التي وردت في الكتاب المقدس لمساعدة الحجاج المسيحيين في اجتيازها، ويتعرض لمدن شتى وللعادات المحلية، سابقا بذلك ملايين الكتب التي نشرت في العالم على سبيل التعريف بالأماكن التي يقصدها المسافر.

بعدها التقطت غازولا كتيبا جلدي الغلاف وصفته بالكتاب الناصح، وهو من تأليف الألماني بيتروس أبيانوس الذي اشتهر بأعماله في مجال الرياضيات والخرائط والفلك، وقد نشر كتابه “الكوزموغرافيا” عام 1524، وكان في طليعة المؤلفات التي تؤصل الجغرافيا على أساس قياس رياضي، وراج الكتاب حتى صدرت منه 30 طبعة بـ 14 لغة.

والطبعة التي أطالعها من هذا الكتاب طبعة أولى باللاتينية صدرت في أنتويرب عام 1540 (وقد عرفت المدينة البلجيكية باعتبارها إحدى ثلاث مدن رائدة في الطباعة الأوروبية المبكرة إلى جانب باريس والبندقية).

ويمتاز كتاب الكوزموغرافيا باستخدام ما يشبه التروس الورقية المطبوعة على شكل طبقات كأداة معقدة لتحديد موقع النجوم ومراحل القمر وعلامات الأبراج على سبيل الاسترشاد للملاحة والاستكشاف، فيما يجدر تشبيهه بحاسوب بدائي.

تقول غازولا: “لابد أن إعداد القوالب الخشبية لطباعة شتى أجزاء تلك التروس الدقيقة استغرق أسابيع”، بينما تطوي برفق الطبقة العليا لأحد التروس لتظهر طباعة نوتة موسيقية على ظهرها، إذ كانت المطابع تعيد استخدام الأوراق بسبب التكلفة الباهظة للورق آنئذ.

إحدى الخرائط المرسومة على الجلد التي استعان بها ملاحو السفن 
إحدى الخرائط المرسومة على الجلد التي استعان بها ملاحو السفن

وإلى جانب تلك “التروس” يشمل كتاب الكوزموغرافيا خارطة للعالم بين أولى الخرائط التي تسرد تفصيلا الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية بالكامل.

في ذاك الوقت كانت المعرفة الجغرافية في ازدياد مستمر، لأسباب بينها توافر أدبيات تقنية تتعلق بالسفر من كتب حسابية وأخرى تتعلق بمكوس الموانئ المختلفة وعبارات مفيدة بلغات شتى وخرائط وكتب ملاحية، مما ساعد المدن الإيطالية التي ازدهرت تجاريا في استكشاف المسالك البحرية التجارية والحربية بالبحر المتوسط والسيطرة عليها.

كما اصطحب ملاحو السفن خرائط رسمت خصيصا باليد على جلود لتحديد كافة الموانئ المعروفة بسواحل البحر المتوسط فضلا عن المدن والممرات البحرية وأماكن الرسو، والاتجاهات الأصلية، وأوضحت الخرائط الأماكن برسوم مميزة كشكل الجمل، أو الأسد، أو النعامة على الساحل الأفريقي، وأعلام لتمييز المدن، ناهيك عن أسماء شتى بامتداد السواحل.

وتعود خرائط السفن تلك للنصف الثاني من القرن السادس عشر، ولم تذيل بتوقيع راسمها لاعتبارها أداة عمل، وأمكن إضافة تعديلات عليها طبقا للمتطلبات الملاحية لحركة السفن.

“مسرح العالم”

ثم أرتني غازولا كتابا باللاتينية بعنوان “مسرح العالم” يمكن اعتباره أول أطلس حديث للكرة الأرضية، وقد ألفه الجغرافي الفلمنكي ابراهام أورتليوس، وطبع أول مرة عام 1570 في أنتويرب، وكان أول كتاب واحد يضم كافة المعلومات المتوافرة عن جغرافيا أوروبا الغربية نصا وخرائط، وأتت خرائطه بقياس واحد، وقد طبع بالاستعانة بقوالب نحاسية ومن ثم لُوِّن يدويا بألوان مازالت زاهية حتى يومنا هذا.

أطلس  
يعد أطلس “مسرح العالم” الذي ألفه أبراهام أورتليوس غاية ما بلغه علم الخرائط في القرن السادس عشر

وقد طبع هذا الأطلس طبعات عدة باللاتينية والفرنسية والألمانية والهولندية ولغات أخرى ليشبع نهما للمعرفة الجغرافية والاستكشاف العلمي سرى بين الطبقات المتوسطة التي أخذت تكتسب ثراء مع بزوغ عصر النهضة.

وخلال طبعاته المتوالية ما بين عام 1570 وعام 1612، عُد “مسرح العالم” مجلدا قيما غالي الثمن سعى التجار الأثرياء والنبلاء الأوروبيون لاقتنائه. واليوم يعتبر أفضل ما بلغه علم الخرائط في القرن السادس عشر.

وتعتمد الكثير من الخرائط التي يتضمنها هذا المجلد على مصادر لم تعد موجودة أو قل أن تجدها، وتضمن ملحق للمجلد قائمة مطولة من أسماء الجغرافيين وواضعو الخرائط المعروفين لأورتليوس ممن أستعان بهم.

وضمت قائمة الطبعة الأولى عام 1570 ما عدده 87 جغرافيا، ولم تمض ثلاثة عقود إلا وناهزت القائمة 183 اسما من الجغرافيين.

ويبدو هذا الأطلس مدهشا للناظر، ففضلا عن خصائصه الجغرافية تزينه رسوم دقيقة تصور عادات سكان المناطق فضلا عن كائنات خرافية. وتحتفظ مكتبة برتوليانا بنسخة من عام 1592 تحوي 108 خرائط يبدو فيها العالم كما نعرفه اليوم.

“أول رحلة حول العالم”

كتاب  
أورد أنطونيو بيغافيتا تفصيلا أسفار ماجلان في كتابه “أول رحلة حول العالم”

أخيرا أمسكت غازولا بكتاب يحمل اسم “أول رحلة حول العالم” يصف مؤلفه رحلة ماجلان للدوران حول الكرة الأرضية. والمؤلف أنطونيو بيغافيتا اصطحب ماجلان في رحلاته وكتب ما بين عامي 1524 و1525 مذكراته عن رحلة ماجلان التاريخية استنادا إلى اليوميات الدقيقة التي دونها على مدار ثلاث سنوات من الترحال. ولاحقا منح مجلس شيوخ البندقية بيغافيتا امتياز طبع يومياته.

وتحتفظ مكتبة برتوليانا بنسخة لاحقة من القرن الثامن عشر ليوميات بيغافيتا برسوم ملونة، والكتاب مدهش لرؤيته غير العادية وشهادته المباشرة عما أحرزه ماجلان، والصعاب الجمة التي تكبدها مع رفاقه.

ويورد الكتاب اكتشاف ماجلان للمحيط الهادي لصالح أوروبا وهو ما منحه هذا الاسم نسبة لطبيعته الهادئة، ويشمل ملاحظات مهمة ساقها بيغافيتا عن نباتات وحيوانات وأجناس من البشر صادفها في بلاد جديدة، ونص الكتاب مُطعم بحقائق جغرافية دفعت شغف أوروبا العلمي قدما.

وبالطبع فالاكتشاف الأبرز كان تأكيد كروية الأرض، والتي جاب ملاحو ماجلان (بحساب بيغافيتا) 14460 فرسخا (43 ألفا و400 ميل) لإثباته.

ومرت قرون على تلك الوثائق للسفر والترحال ومازال مدهشا كم نمت معرفة الإنسان منذ ذاك الحين، تلك الوثائق التي كانت نبراسا أضاء غيمة كثيفة هاديا ملاحي الأرض ورحالتها ومستكشفيها وباحثيها خطوة تلو الخطوة، ليرسم خارطة عالم أصبح اليوم بين أناملنا.


هذا المحتوي ( مصر24 - أسرار الخرائط والوثائق التي قادت الرحالة لاستكشاف عالمنا ) منقول بواسطة محرك بحث مصر 24 وتم نقله كما هو من المصدر ( طقس فلسطين )، ولا يعبر عن وجة نظر الموقع ولا سياسة التحرير وانما تقع مسئولية الخبر وصحته علي الناشر الاصلي وهو طقس فلسطين.

قد تقرأ أيضا