الارشيف / ثقافة وفن / جريدة الفجر

اخبار الفن: مفيد فوزي يكتب: خمسون عاماً بين أصابعي

خمسون عاماً من الأمل والألم ومن البهجة والحزن ومن النور والعتمة.. عشتها معه وعاش معى بين أصابعى!

خمسون عاماً مرت على صداقتنا ولم أصادف فيها خيبة أمل، كان مطيعاً ومتمرداً ومتنمراً وعصيا، وأبداً لم يصل خلافنا إلى حد القطيعة!.

خمسون عاماً، كان هو السبب فى إطلالتى على الدنيا، لولاه لظللت مدرساً مجهولاً فى قرى الصعيد صباحى كما مسائى، وأيامى متشابهة وآخر النهار يحتضنى سرير الملل!.

خمسون عاماً - معه - كانت كافية ليمنحنى بعض الشهرة فى الشارع المصرى ويجعل من ملامحى السمراء كياناً معروفاً، يوم ظهرت على شاشة بلدى أتحدث بلسان ناس مصر حديث المدينة! يوم ذقت معنى التكريم وشهادات التقدير، كان بين أصابعى جزلاً!.

-2-

خمسون عاماً، ثار علىَّ مرات، بل كاد أن يخرج من بين أصابعى لأعانق الهواء والسراب، كان - لست أدرى كيف - يعرف طقوس العصر السياسية، كيف يُبصر ما لا أراه؟ منذ اليوم الأول فى عمرى كان صادماً. هل علمته الجرأة، أم هو الذى لقّننى أصول الكتابة؟! على جريدة حائط ملونة كتبت خطاباً علنياً لسليم أفندى، مدرس اللغة الفرنسية، وكان عنوان المقال: ليس هكذا التربية! فقد كان سليم أفندى يضربنا بالمسطرة على أصابعنا إذا أخطأنا، حين قرأ زملائى الجريدة فرحوا وتهللوا ووصل الأمر إلى سليم أفندى الذى شكا إلى حضرة الناظر سامى سليمان، فصدر الأمر بتغطية المقال بشريط أسود، ولعلها أول مرة أعرف طعم الرقابة، ولكن حجب المقال منحنى شهرة والأهم حضوراً لهذه الجريدة الحائطية! مرة ثانية فى كلية الآداب بجامعة القاهرة، قسم اللغة الإنجليزية، أصدرت الجريدة الحائطية بموافقة العميد زكى بك محمد حسن، وكان المانشيت فى أول عدد سؤالاً موجهاً للدكتور رشاد رشدى: لماذا تصر على أن الصفين الأول والثانى مخصصان للطالبات وبقية الصفوف للخناشير أمثالى؟! وقد غضب الدكتور رشاد وحرمنى شهراً من حضور محاضراته فى الدراما!

فى المرة الثالثة أوصلنى قلمى للصحافة المطبوعة، وكنت قد تدربت على الذكاء دون الوقوع فى حفرة الغباء، فكتبت فى زمن عبدالناصر عن خدعة نائب رئيس وزارة ووزير زراعة فى حفل كل شىء فيه كان مصنوعاً ومفبركاً، ولما نشرت أرقام سيارات الاتحاد الاشتراكى وأسماء سائقيها الذين حولوا الغيطان إلى بلاتوه، فصلنى النظام أحد عشر شهراً وأعادنى إلى موقعى محمد حسنين هيكل، وعلمنى قلمى عدة نقاط مهمة أضفتها إلى خبراتى الحياتية:

1- ليس كل ما أعرفه قابلا للنشر ولا الثرثرة، لأنها بتوصل!

2- لا تطلب أن تكون عنتر زمانك، فليس مسموحاً لعنتر بأى نشاط!

3- كيف أتصدى لأشياء أكبر منى ولا حماية لى تغفر أو تتسامح، فأنت لست عضواً فى الاتحاد الاشتراكى ولست داخل أى تنظيم سرى للنظام، ومعنى ذلك أنك مغامر بلا طوق نجاة، وهذا ما حدث لك، حتى رفدك صدر شفوياً!

4- صحيح، للشباب فورة وثورة، ولكنك لو كنت عضواً فى التنظيم الطليعى لترددت كثيراً قبل أن تكتب لأنه كيف يفضح النظام نفسه؟!

5- لقد ضربك النظام الناصرى «ليتأدب غيرك»، كنت درساً لآخرين! والأنظمة ترتاب فى الكلمات وتحللها وتفسرها على حسب الريح!.

-3-

خمسون عاماً بين أصابعى وله وجوه عدة: جرىء، رومانسى، غاضب، حالِم، مُفسِّر، موضح، صادق، صادم!. أيقنت من طول التجارب معه أن للخربشة أصولا وقواعد، أهمها ألا أهبط فى الصياغة إلى الصياعة، قواعد من أهمها أن الأناقة فى الهجوم لا التهجم ضرورى حين لا تُفضل الأنظمة النقد بأشكاله، واستفدت من تجربة فصلى بسبب إثارتى للفضيحة أن أكون متسائلاً لا موجهاً اتهاماً لأحد، واستفدت مما يقوله الحس الشعبى «اضرب ولاقى»، لكن قلمى، الذى عاش بين أصابعى خمسين عاماً وأكثر، لم يحرضنى على تطبيل علنى أو مبطن، وعندما أشيد برئيس لبلدى فإن الرشد هو سن قلمى، ويوم قلت عن الرئيس السيسى «كل الولاء له»، لم أنسَ قولى لمبارك «منتهى الوفاء له»، ذلك أن السيسى أعطى مصر دروساً فى الوفاء والإنصاف يوم أعاد الاعتبار لرئيس مصر محمد نجيب بقاعدة عسكرية على أرض مصر، وأعاد الإنصاف ليوسف صديق أول مُفجّر لثورة يوليو قبل الضباط الأحرار، كم ارتفع فى نظرى ونظر المصريين إنصاف رئيس لأسماء احتواها النسيان، لكن السيسى «الرجل العسكرى» يحفظ التاريخ جيداً.

-٤-

خمسون عاماً بين أصابعى، أعطانى بعض التقدير وبعضاً من الحب وبعضاً من البغض، فالرهان على الكمال الإنسانى مغامرة! خمسون عاماً بين أصابعى، بين مقالات وتحقيقات وتغريدات، وخواطر، وإشارات، وحوارات، ويوميات، وأسئلة على البال! لم أكتب القصة أو الرواية، فلها فرسانها، نعم، عرفت الخوف فى زمن عبدالناصر، لم أنضم لأى حزب أو تنظيم وكان ظهرى عارياً، كنت أهمس إذا تكلمت وأفتح الراديو إذا شكوت، لم أكن أثق فيمن حولى، فلا أعرف ضمائرهم، وللدقة انتماءاتهم، ويوم تنحى عبدالناصر بكيته، لأنه «ريس المركب ومعدينا».

-٥-

خمسون عاماً مرت على أول مرة أحتضن قلماً بين أصابعى حتى صار جرحى وعافيتى، أحتفل بالمناسبة فوق الورق الذى جال وصال فوق فراغه الأبيض وقدمنى للناس، أمنحه قُبلة امتنان وعهدا ألا أخذله لو تحولت، وقد يضرب عن الكتابة ولا ينفع معه «الأمن الوطنى»!.

نقلا عن المصري اليوم 

هذا المحتوي ( اخبار الفن: مفيد فوزي يكتب: خمسون عاماً بين أصابعي ) منقول بواسطة محرك بحث مصر 24 وتم نقله كما هو من المصدر ( جريدة الفجر )، ولا يعبر عن وجة نظر الموقع ولا سياسة التحرير وانما تقع مسئولية الخبر وصحته علي الناشر الاصلي وهو جريدة الفجر.

قد تقرأ أيضا